الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
252
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ولكن من اطلع على ذكر نبوءة نبيء بوصفه ذلك في القرآن صريحا وجب « 1 » عليه الإيمان بما علمه . وما ثبت بأخبار الآحاد لا يجب الإيمان به لأن الاعتقادات لا تجب بالظن ولكن ذلك تعليم لا وجوب اعتقاد . وتنكير رُسُلًا مفيد للتعظيم والتكثير ، أي أرسلنا رسلا عددهم كثير وشأنهم عظيم . وعطف وَما كانَ لِرَسُولٍ إلخ بالواو دون الفاء يفيد استقلال هذه الجملة بنفسها لما فيها من معنى عظيم حقيق بأن لا يكون تابعا لغيره ، ويكتفي في الدلالة على ارتباط الجملتين بموقع إحداهما من الأخرى . والآية : المعجزة ، وإذن اللّه : هو أمر التكوين الذي يخلق اللّه به خارق العادة ليجعله علامة على صدق الرسول . ومعنى إتيان الرسول بآية : هو تحديه قومه بأن اللّه سيؤيده بآية يعيّنها مثل قول صالح عليه السلام : هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [ الأعراف : 73 ] وقول موسى عليه السلام لفرعون : أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ [ الشعراء : 30 ] الآية . وقول عيسى عليه السلام : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائرا بِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 49 ] وقول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] . فالباء في بِآيَةٍ باء التعدية لفعل أَنْ يَأْتِيَ وأما الباء في بِإِذْنِ اللَّهِ فهي باء السببية دخلت على مستثنى من أسباب محذوفة في الاستثناء المفرغ ، أي ما كان له أن يأتي بآية بسبب من الأسباب إلا بسبب إذن اللّه تعالى . وهذا إبطال لما يتوركون به من المقترحات والتعلات . وفرع عليه قوله : فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ أي فإذا جاء أمر اللّه بإظهار الرسول آية ظهر صدق الرسول وكان ذلك قضاء من اللّه تعالى لرسوله بالحق على مكذبيه ، فإذن اللّه هو أمره التكويني بخلق آية وظهورها . وقوله : فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ الأمر : القضاء والتقدير ، كقوله تعالى : أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [ النحل : 1 ] وقوله : أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ [ المائدة : 52 ] وهو الحدث القاهر للناس كما في قول عمر لما قال له أبو قتادة يوم حنين « ما شأن الناس » حين انهزموا وفرّوا قال عمر : « أمر اللّه » . وفي العدول عن : إذن اللّه ، إلى أَمْرُ اللَّهِ تعريض بأن ما سيظهره اللّه من الإذن لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم هي آيات عقاب لمعانديه ، فمنها : آية الجوع سبع
--> ( 1 ) في المطبوعة ( وجيء ) .